سياسة

قبل الانتخابات.. محاربة الفساد تعود إلى صدارة النقاش السياسي

قبل الانتخابات.. محاربة الفساد تعود إلى صدارة النقاش السياسي

لم يكن اختيار ملف محاربة الفساد عنوانا لندوة وطنية نظمها حزب الاستقلال مجرد مناسبة للحديث عن الحكامة أو استعراض مواقف مبدئية ظلت تتكرر في الخطاب السياسي منذ سنوات، بل بدا الأمر أقرب إلى إعلان عن عودة هذا الملف إلى قلب النقاش العمومي مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، في وقت تتسابق فيه الأحزاب على تقديم أجوبة عن الأسئلة المرتبطة بالنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية واستعادة ثقة المواطنين.

فالندوة، التي ترأسها الأمين العام للحزب نزار بركة، لم تتوقف عند تشخيص مظاهر الفساد أو الدعوة إلى تشديد العقوبات، وإنما انطلقت من سؤال آخر أكثر ارتباطا بالتحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب: كيف يمكن للإصلاح المؤسساتي أن يصبح مدخلا لتحقيق التنمية، وليس مجرد ورش قانوني أو إداري؟

ومن هذا المنطلق، قدم بركة تصورا يقوم على أن الفساد لم يعد مجرد قضية أخلاقية أو جنائية، بل أصبح أحد أبرز العوامل التي ترفع كلفة الاستثمار، وتضعف تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحد من فعالية السياسات العمومية، وهو ما يجعل معالجته جزءا من أي مشروع اقتصادي يروم تحقيق النمو وخلق فرص الشغل.

وفي هذا السياق، وضع الأمين العام لحزب الاستقلال إصلاح الإدارة في مقدمة الأوراش التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، معتبرا أن تعقد المساطر الإدارية وتضخم الترسانة القانونية لا يوفران حماية أكبر للمرفق العمومي، بقدر ما يخلقان بيئة تسمح بتعدد التأويلات، وتوسع هامش السلطة التقديرية، وتزيد من فرص الوساطة والرشوة واستغلال النفوذ.

ولم يكن الحديث عن تبسيط المساطر الإدارية، وفق الطرح الذي قدمه بركة، مرتبطا فقط بتسهيل الخدمات المقدمة للمواطنين، وإنما باعتباره رافعة لتحسين مناخ الأعمال، وتقليص كلفة الاستثمار، وفتح المجال أمام منافسة أكثر تكافؤا بين المقاولات، خصوصا الصغرى والمتوسطة التي تظل الأكثر تضررا من بطء الإجراءات الإدارية وتعقدها.

وفي مقابل الدعوة إلى تبسيط الإدارة، أعاد بركة فتح ملف تضارب المصالح، معتبرا أنه يشكل إحدى الثغرات التي تستوجب تدخلا تشريعيا أكثر وضوحا. ودعا إلى اعتماد إطار قانوني يحدد بشكل دقيق الحدود الفاصلة بين المسؤولية العمومية والمصالح الخاصة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويحصن القرار العمومي من كل أشكال التأثير المرتبط بالمصالح الشخصية.

كما ربط الأمين العام لحزب الاستقلال محاربة الفساد بإعادة النظر في طرق منح الرخص والامتيازات الاقتصادية، داعيا إلى إخضاعها لدفاتر تحملات واضحة وشفافة، تضمن تكافؤ الفرص بين المستثمرين، وتربط الاستفادة من الامتيازات بتحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للتقييم، بدل استمرار منطق الامتيازات غير المؤطرة.

ولم يغب ملف الدعم العمومي عن هذا التصور، إذ اعتبر بركة أن الدولة مطالبة بالانتقال من منطق توزيع الدعم إلى منطق تقييم أثره، حتى يصبح كل تحفيز أو إعفاء أو مساعدة مالية مرتبطا بإحداث قيمة مضافة، وخلق مناصب شغل، وتحسين القدرة الشرائية، وخدمة المصلحة العامة، بدل أن يتحول إلى عبء على المالية العمومية دون مردودية واضحة.

وفي الجانب المرتبط بتحديث الإدارة، قدم بركة الرقمنة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من أهم أدوات تخليق المرفق العمومي، ليس فقط لتسريع الخدمات، وإنما أيضا لتقليص الاحتكاك المباشر بين المرتفق والإدارة، والحد من السلطة التقديرية، وتعزيز قابلية القرارات الإدارية للتتبع والمراقبة، بما يرفع من مستوى الشفافية ويقلص فرص الفساد.

كما دعا إلى منح مؤسسات الحكامة والرقابة أدوارا أكثر فعالية في مراقبة الأسواق والصفقات والرخص والدعم العمومي، معتبرا أن نجاح أي إصلاح يظل رهينا بوجود مؤسسات قادرة على التدخل في الوقت المناسب، وعلى فرض احترام قواعد المنافسة ومحاربة مختلف أشكال الاحتكار والإثراء غير المشروع.

ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي يتجه فيه اهتمام الأحزاب تدريجيا نحو بلورة برامجها الانتخابية، حيث بدأت القضايا الاقتصادية تستحوذ على الجزء الأكبر من الخطاب السياسي، غير أن حزب الاستقلال اختار أن يجعل من الحكامة ومحاربة الفساد إحدى البوابات الرئيسية لمقاربته الاقتصادية، في رسالة مفادها أن تحقيق النمو لا ينفصل عن جودة المؤسسات، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار مظاهر الريع وضعف الشفافية.

وبذلك، أعاد حزب الاستقلال، من خلال هذه الندوة، ملف محاربة الفساد إلى صدارة النقاش السياسي، لكن من زاوية تختلف عن المقاربات التقليدية، إذ ربطه مباشرة بقدرة الاقتصاد الوطني على استقطاب الاستثمار، وتحسين تنافسية المقاولة، وترشيد الإنفاق العمومي، واستعادة ثقة المواطنين في الإدارة والمؤسسات، وهي عناوين تبدو مرشحة لأن تحتل موقعا متقدما في النقاش السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى